عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
424
اللباب في علوم الكتاب
قلب المؤمن زيادة يعرفها كلّ أحد ، ومعلوم أن الأمر ليس كذلك ، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السّويّة ، بل كان الحزن والبلاء في حقّ المؤمن أكثر ، قال - تبارك وتعالى - : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ [ الزخرف : 33 ] ، وقال عليه الصلاة والسلام : « خصّ البلاء بالأنبياء ثمّ بالأمثل فالأمثل » « 1 » . والجواب عن الثّاني : أنه مدفوع ؛ لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات ؛ لأن كل أحد يعلم بالضّرورة أن كلّ من هداه اللّه إلى الجنّة بسبب الإيمان يفرح بسبب تلك الهداية ، وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت ، وكذلك القول في قوله : المراد : ومن يضلّه عن طريق الجنّة بأنه يضيق قلبه في ذلك الوقت ، فحصول هذا المعنى معلوم بالضّرورة ، وحمل الآية الكريمة عليه إخراج للآية عن الفائدة . والجواب عن التّأويل الثالث : فهو يقتضي تفكيك نظم الآية ؛ لأن الآية الكريمة تقتضي أن يحصل انشراح الصّدر من قبل اللّه - تبارك وتعالى - أولا ، ثم يترتّب عليه حصول الهداية والإيمان ، وأنتم عكستم القضيّة ، فقلتم : العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصّدر ، ثم إن اللّه - تبارك وتعالى - أوّلا بعد ذلك يهديه ، بمعنى أنه يخصّه بمزيد الألطاف الدّاعية له إلى الثّبات على الإيمان ، والدّلائل اللّفظية إنما يمكن التّمسّك [ بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات ، والترتيبات ، فأمّا إذا أبطلناها وأزلناها ، لم يمكن التّمسّك ] « 2 » بشيء منها أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب ألّا يمكن التّمسّك بشيء من الآيات ، ولكن طعن في القرآن العظيم ، وإخراج له عن كونه حجّة . قوله : « كأنّما » « ما » هذه مهيّئة لدخول كأنّ على الجمل الفعلية ؛ كهي في وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ [ آل عمران : 185 ] . قوله : « يصّعّد » وقرأ « 3 » ابن كثير : « يصعد » ساكن الصّاد ، مخفّف العين ، مضارع « صعد » أي : ارتفع ، وأبو بكر عن عاصم : « يصّاعد » بتشديد الصّاد بعدها ألف ، وأصلها يتصاعد ، أي : « يتعاطى الصّعود ويتكلّفه » فأدغم التّاء في الصّاد تخفيفا ، والباقون : « يصّعّد » بتشديد الصّاد والعين دون ألف بينهما ، من « يصّعّد » أي : يفعل الصّعود ويكلّفه ، والأصل : « يتصعّد » فأدغم كما في قراءة شعبة وهذه الجملة التشبيهيّة يحتمل أن تكون مستأنفة ، شبّه فيها حال من جعل اللّه صدره ضيّقا حرجا ؛ بأنه بمنزلة من يطلب الصّعود إلى السّماء المظللة أو إلى مكان مرتفع [ وعر ] « 4 » كالعقبة الكؤود . والمعنى : أنه يسبق عليه الإيمان كما يسبق عليه صعود السّماء ، وجوّزوا فيها وجهين آخرين :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : السبعة 268 النشر 2 / 262 التبيان 1 / 538 ، الحجة لابن خالويه 149 . ( 4 ) سقط في ب .